إدراكاً لضرورة تمتّع المستهلكين بمنتجات
غير خطرة أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1985 مجموعة من الحقوق التي
يجب توفيرها للمستهلك والتي تعتبر بمثابة مبادئ توجيهية لحماية المستهلك يتعيّن
على جميع الدول اعتمادها كأساس لوضع قوانينها وأنظمتها الخاصة بحماية المستهلك.([1])
وبما أن قضايا المستهلك كثيرة ومتشعبة ومتنوعة وتختلف أولوياتها من دولة لأخرى فقد
حددت منظمة الأمم المتحدة منذ عام 1985 تاريخ 15 مارس من كل عام "كيوم عالمي
للمستهلك"، يتم فيه تناول حقوق المستهلك بالنسبة للغذاء، الصحة، البيئة،
المعرفة، ومن خلاله يتم فيه تسليط الضوء على مختلف القضايا التي تهم المستهلك.
وقد اهتمت كافة التشريعات في الدول المتقدمة
اقتصادياً بتنظيم العلاقة بين المنتجين والمستهلكين وذلك من أجل الحفاظ على وجود
اقتصاد سليم ومتوازن لإدراكهم بأن الدورة الاقتصادية تمر بثلاث مراحل أساسية:
الإنتاج والتوزيع ثم المستهلك، وهذه المرحلة الأخيرة مهمة جداّ كون أن استهلاك
المنتجات يحث المنتجين على توفيرها وتحسين نوعيتها وبالتالي توفير حماية للمستهلك
يؤدي إلى تشجيع الإنتاج.([2])
انضمام سلطنة عمان لمنظمة التجارة العالمية
في نوفمبر 2000 جاء تأكيداً لمقتضيات المادة 11 من النظام الأساسي للدولة الصادر
بالمرسوم السلطاني رقم 101/ 1996، والتي بيّنت أن الاقتصاد الوطني قوامه مبادئ
الاقتصاد الحر بغية تحقيق التـنمية الاقتصاديـة والاجتماعية بما يؤدي إلى زيادة
الإنتاج ورفع مستـوى المعيشـة للمواطنين. إلاّ أن هكذا انضمام أدى إلى فتح السوق
العماني للسلع والخدمات القادمة من عدة دول كون أن تقييد حرية انتقال السلع
والخدمات أو تحديد كميتها أصبح بشكل عام من المحظورات. على الرغم بأن هذا الانفتاح
الخارجي له عدة إيجابيات من ضمنها ضمان توفّر السلع والخدمات الكفيلة بتحقيق رغبات
المواطنين والمقيمين إلاّ أن هذا الانفتاح أدى بدوره إلى بروز العديد من التجّار
الذي التجأوا إلى استعمال وسائل الغش والخداع للترويج لسلع ذات جودة متدنيّة جداً
وغير صالحة للاستخدام الآدمي أو إلى الترويج لسلع مقلّدة بغية تضليل المستهلك
وإيهامه بأنها سلع أصلية من حيث المصدر.
وسعياً من السلطنة لمكافحة مثل هذه التصرفات ورغبةً منها
في توفير حماية خاصة للمستهلك، صدر المرسوم السلطاني رقم 81/ 2002 باستصدار أول
قانون خاص بحماية المستهلك،([3])
تبعه المرسوم الصادر في عام 2011 والخاص بإنشاء الهيئة العامة لحماية المستهلك
(بعد أن كانت مديرية تابعة لوزارة التجارة والصناعة). ورغبةّ من المشرّع العماني
في توسيع نطاق الحماية صدر قانون آخر لحماية المستهلك في عام 2014 والذي بمقتضاه
ألغى القانون السابق، وفي 9 مارس 2017 صدرت اللائحة التنفيذية لقانون حماية
المستهلك، إلى جانب قانون حماية المستهلك وقوانين أخرى (كقانون "نظام"
العلامات التجارية الموحد لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لعام 2017،
وقانون الملكية الصناعية لعام 2008، وقانون سلامة الغذاء لعام 2008) تضمّن قانون
الجزاء العماني الصادر في عام 2018 فصلاً خاصاً بتجريم بعض الأفعال المتعلّقة
بالغش في المعاملات، وفي هذا المقال سوف يتم التطرق لأهم الحقوق التي كفلها قانون
حماية المستهلك العماني.
أورد قانون حماية
المستهلك العماني في المادة 14 مجموعة من الحقوق التي جاءت على سبيل المثال لا
الحصر، وبالتالي كفل القانون حماية ما قد ينشأ في المستقبل من حقوق للمستهلك
كنتيجة للتقدم التقني والتكنولوجي. وقبل التطرق لبيان هذه الحقوق، ينبغي التنويه
بأن قانون حماية المستهلك عرّف "المستهلك" في المادة الأولى منه بأنه "كل شخص طبيعي أو
اعتباري يحصل على سلعة أو يتلقى خدمة بمقابل أو بدون مقابل". ومن خلال
التعريف يتضح بأن المشرع العماني توسّع في مفهوم المستهلك من خلال إدراجه لكل
الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين اللذين يحصلون على السلع والخدمات عن طريق الشراء
أو عن طريق الهبة والعطايا والهدايا، وبالتالي دفع مبلغ مالي لقاء الحصول على
السلعة أو الخدمة ليس لازماً لإسباغ وصف المستهلك على من حصل عليها. وبالتالي فإنه يتمتع بالمركز القانوني سواء حصل عليها بمقابل أو بدون
مقابل وبمجرد اكتسابه لوصف المستهلك يحق له ممارسة كافة الحقوق المقررة له بموجب
القانون.
وفيما
يلي بيان لأبرز الحقوق بشيء من الإيجاز:
1-
حق المستهلك فــــي الحصـــول علـــى
المعلومــــــات الصحيحـــــة عـــــن السلعــــــة التــــي يشتريها، أو
يستخدمها، أو الخدمة التي يتلقاها، أو ما يطلق عليه "حق المستهلك في
الإعلام". ومن نص المادة يتضح بأن الأمر لا يتوقف عند حق المستهلك في الحصول
على بيانات ومعلومات عن السلعة التي يشتريها أو الخدمة التي يتلقاها، وإنما نبّه
المشرّع إلى ضرورة أن تكون البيانات والمعلومات المقدّمة صحيحة أي غير خادعة أو
تنطوي على كذب أو احتيال.
حق المستهلك في الحصول على المعلومات الصحيحة
يقابله التزام المزوّد القانوني بتزويد المستهلك بمعلومات صحيحة عن السلعة أو
الخدمة، وهذا ما ورد التأكيد عليه في المادة 19 من القانون والتي نصت
على الآتي: "يلتزم كل من المزود والمعلن بإمداد المستهلك
بمعلومات صحيحة عن السلعة أو الخدمة، وفي جميع الأحوال يجب على المزوّد أن يبيّن
باللغة العربية وبشكل ظاهر على السلعة المعلومات الخاصة بالسعر والوزن وتاريخ
الإنتاج وانتهاء الصلاحية واسم المادة ومكوناتها وبلد المنشأ ورقم المواصفة،
...". ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أن التزام المزوّد بضرورة تزويد المستهلك
بمعلومات صحيحة عن السلعة أو الخدمة هو التزام بتحقيق نتيجة وليس التزاماً ببذل
عناية.([4])
2-
حق المستهلك في
الاختيار الحر حين انتقائه أي سلعة أو خدمة، أي أن المستهلك يتمتع بحق الاختيار
الحر بين مختلف السلع المتاحة أو مختلف الخدمات المتوفرة دون إجباره أو اضطراره
لشراء سلعة بعينها؛ ولهذا يحظر على المزوّد التأثير على الاختيار الحر للمستهلك،
كأن يلزمه بشراء سلعتين مختلفين في آن واحد، وعدم إتاحة أي منهما للشراء بصورة
منفردة، فمثل هذه الأمور تمثل انتهاكاً لحق المستهلك في الاختيار الحر حال انتقائه
السلعة أو تلقيه الخدمة.([5])
3-
الحق فـي ضمان
جودة السلعة والخدمة والحصول عليهما بالسعر المعلن: ومعنى هذا أن للمستهلك الحصول
على سلعة وخدمة ذات جودة عالية وأن تكون وفقاً للمواصفات القياسية([6])
المعتمدة من الجهات المختصة. وفي واقع الأمر هذا يعتبر في آن واحد التزام من ضمن
الالتزامات التي تقع على عاتق المزوّد للخدمة أو السلعة والتي أكدت عليه المادة 22
من القانون بقولها: "مع عدم الإخلال بأي ضمانات أخرى قانونية أو اتفاقية تكون
لصالح المستهلك، يلتزم المزوّد بضمان السلع والخدمات التي يقدمها للمستهلك من حيث
مطابقتها للمواصفات القياسية والشروط المتعلّقة بالصحة العامة والسلامة والبيئية،
وفي حال عدم وجود مواصفة قياسية فيتعيّن الالتزام بالمواصفة المتعارف عليها".
4-
الحق فـي كل ما
يضمن له صحته وسلامته عند حصوله على أي سلعة أو تلقيه أي خدمة، وعدم إلحاق الضرر
به عند استعماله العادي لهذه السلعة أو الخدمة. هنا المشرّع كفل للمستهلك كل
ما من شأنه أن يضمن له صحته وسلامته وعدم إلحاق الضرر به عند استعماله العادي لهذه
السلعة أو الخدمة. وبالتالي فإن أي ضرر يلحق بصحة المستهلك وسلامته ويكون ناتجاً
عن الاستعمال العادي للسلعة أو الخدمة، يتحمّل تبعته المزوّد كونه عرّض سلامة
المستهلك للضرر في حين أن سلامته مكفولة بمقتضى القانون، غير أن ذلك -وكما هو ظاهر
من النص- مرهون بألاّ يكون هذا الضرر ناتج عن الاستعمال الخاطئ للسلعة أو الخدمة
من قِبل المستهلك، وإلاّ فقد المستهلك الحق الذي كفله له القانون، إذ لا يحق
للمخطئ أن يستفيد من خطئه.([7])
5-
الحق فــي
اقتضـــاء تعويض عـــادل عن الضــرر الـــذي يلحق بـــه وبأمـــواله بسبـــب حصوله
أو استعماله العادي للسلعة أو تلقيه الخدمة: هذا الحق مرتبطاً بحق المستهلك في
الحصول على سلعة لا تسبّب له ضرراً من جرّاء الاستعمال العادي لها، فإذا ما أصاب
المستهلك ضرر نتيجة استعماله العادي للسلعة أو الخدمة، فإن المشرّع كفل له حق
الحصول على تعويض عادل عمّا أصابه من ضرر في شخصه أو ماله. وبالتالي كفل القانون
هنا حق المستهلكين في اللجوء إلى القضاء والحصول على تعويض عادل جرّاء شرائهم لسلع
مغشوشة أو مقلّدة تعويضاً لهم عن الضرر المالي والجسدي.
وقد بيّنت
المادة 17 من اللائحة التنفيذية بأن تحديد قيمة الضرر الذي لحق بالمستهلك نتيجة
شرائه السلعة المعيبة، أو الإخلال في تقديم الخدمة، والقيمة التي يجب على المزود
دفعها إليه يكون إمّا بالاتفاق بين المستهلك والمزود، وإما باللجوء إلى الهيئة
وفقا للآلية التي يصدر بها قرار من الرئيس، أو إلى المحكمة المختصة.
6-
الحق
فـي تمثيل مصالحه عند إعداد السياسات الخاصة بحماية المستهلك: أي أخذ رأي المستهلك
عند إعداد القوانيين واللوائح والقرارات الخاصة بحمايته كمستهلك، سواء عن طريق أخذ
رأي جمعيات المستهلك المدافعة عن حقوقهم أو بعمل استبانات موجهة لشريحة معيّنة من
المجتمع وفق أسس علمية واضحة.
7-
الحق فـي
احتـــــرام القيــــم الدينيــــة والعـــادات والتقاليـــــد للمستهـــلك عـــند
تزويــــده بأي سلعة أو تلقيه أي خدمة. وفقاً لهذا الحق يلتزم المزوّدين بعدم
المساس بالقيم الدينية والعادات والتقاليد المترسّخة في المجتمع من خلال وضع صور
أو رموز على السلع من شأنها خدش الحياء أو انتهاك حرمة الدين أو من شأنها التقليل
من شأن العادات والتقاليد السائدة في المجتمع كون أن ذلك يُعدُّ انتهاكاً لحق
المستهلك في احترام قيمه الدينية وعاداته وتقاليده.
إلى
جانب الحقوق الواردة في المادة 14 والمشار إليها أعلاه، تضمّن قانون حماية
المستهلك ولائحته التنفيذية أمثلةً لحقوق أخرى مكفولة بحكم القانون. من ذلك على
سبيل المثال حقه في الحصول على ضمان من قِبل المزوّد وهو ما نصت عليه المادة 17
بقولها: " للمستهلك في كل الأحوال الحق في الضمان من قبل المزود لكل سلعة،
ويبقى هذا الضمان قائماً لمصلحة المستهلك الأخير عند انتقال ملكية السلعة إليه،
ويقع باطلا كل اتفاق ينص على خلاف ذلك". وكذلك ما ورد بالمادة 15 من القانون
والتي نصت على أنه: "للمستهلك الحق فـي الحصـــول على فاتـــورة باللغة
العربية تثبـت شراءه السلعـــة أو تلقيـــه الخدمـــة ، ويجــب أن تتضمــن
الفاتـــورة البيانــــات الأساسية الخاصة بالسلعـــة أو الخدمـــة
...".([8])
ومن ذلك ما كفلته اللائحة التنفيذية لقانون حماية المستهلك الصادرة في 2017، حيث
نصت المادة 11 على الآتي: " للرئيس اتخاذ
كافة الإجراءات التي من شأنها ضمان حقوق المستهلك، وتنظيم نزاهة المعاملات، بصورة
تحترم فيها القواعد العامة المتعلقة بسلامة السلع والخدمات، والتثبت من مدى
مطابقتها للمواصفات القياسية، وله بصفة خاصة اتخاذ ما يأتي: (1) إصدار تحذيرات أو
تنبيهات أو اتخاذ أي احتياطات يعلن عنها، ويعرّف بها المستهلك. (2) إلزام المزود بإرجاع السلع قصد إبدالها أو تغييرها، أو رد ثمنها كليا
أو جزئيا".
د. صالح بن حمد بن محمد البراشدي
كلية الحقوق - جامعة السلطان قابوس
[1] من ضمن حقوق المستهلك التي أقرتها الجمعية
العامة للأمم المتحدة: حقه في السلامة من السلع والخدمات وعمليات الإنتاج التي
يمكن أن تحدث له أضراراً فيما يتعلق بصحته وسلامته، حقه في إشباع احتياجاته
الأساسية من السلع والخدمات، حقه في الاستماع إليه، حقه في معرفة المعلومات الخاصة
بالسلع والخدمات من حيث مصدرها وطبيعة مكوناتها والنتائج المترتبة على استخدامها،
حقه في التثقيف من خلال إدراكه لحقوقه الأساسية كمستهلك، حقه في الاختيار من خلال
توافر خيارات وبدائل متعددة من السلع والخدمات وبأسعار تنافسية. للاطلاع على قرار
الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 39/ 248 أنظر:
https://documents-dds-ny.un.org/doc/RESOLUTION/GEN/NR0/457/25/IMG/NR045725.pdf?OpenElement
[2] محمد محبوبي، "مظاهر حماية المستهلك في
ضوء التشريع المغربي"، مجلة الفقه والقانون، (عدد 26 نوفمبر 2010) ص 2.
[3] هذا لا يعني عدم وجود حماية للمستهلك قبل هذا
التاريخ، بل كانت هناك نصوص مبعثرة هنا وهناك في عدة قوانين خاصة، منها على سبيل
المثال قانون الجزاء الصادر في عام 1973، وقانون العلامات والبيانات الجغرافية
الصادر في عام 1986.
[4] عدنان ابراهيم سرحان، "حق المستهلك في
الحصول على الحقائق: المعلومات والبيانات الصحيحة عن السلع والخدمات، مجلة الفكر،
جامعة محمد خيضر بسكرة، الجزائر، العدد الثامن، 2012، ص. 18.
[5] أنظر: شريف حلمي أبو الخير، شرح مبسّط لقانون
حماية المستهلك العماني، (مركز الغندور، القاهرة، 2016)، ص. 41.
[6] في هذا الصدد، عرفت المادة الأولى من قانون
حماية المستهلك مصطلح "المواصفة القياسية" بالآتي: "المعايير
الإلزامية المعتمدة من المديرية العامة للمواصفات والمقاييس بوزارة التجارة
والصناعة".
[8] في هذا الصدد نصت المادة 24 من القانون على
الآتي: يلتزم المزود
بتسليم المستهلك وثيقة أو فاتورة مدونة باللغة العربية وبخط واضح يسهل قراءته تثبت
شراءه السلعة أو تلقيه الخدمة، ويجب أن تتضمن الفاتورة البيانات الأساسية الخاصة
بالسلعة أو الخدمة، وذلك على النحو الذي تبينه اللائحة".
"ساعدني" هي
الكلمة التي كثيراً ما وصلت هاتفي اتصالاً وإرسالاً ، هي الكلمة التي قررتُ من بعدها
أن أكون في صفِ من أخطأ حمايةً له من استغلاله وتوجيهاً لرفع الضرر عنه ؛ لأنه في
النهاية إنسان يُخطأ ويُصيب ، هي الكلمة التي فتحتُ من بعدها باباً لدخول الكثير
من آلام الغير لحياتي ، فصرتُ بعد ذلك متخذاً للتوعية سبيلاً - تصميماً للمنشورات
وإعداداً للمقاطع ونشراً في وسائل التواصل وإلقاءً للمحاضرات وحوراً في اللقاءات-
، لعلي أجد أذناً تستمع وقلباً يعي ويؤمن بأن الحياة تغيرت وتغير معها كثير من
مفاهيم الوصل والتواصل وأضحت الثقة في قاموس الكثيرين لا محل لها من الإعراب
تطبيقاً وواقعاً.
حديثي هذا
يجرني لأكتابةِ هذا المقال حول قضية يعاني منها العالم أجمع وهي (الابتزاز الالكتروني)
لعله يصل فيغير واقعاً لم تستطعْ كل تلك الأفعال والأقوال التي ذكرتها في مطلع المقال أن تغيره ، ولأني وضعتُ الأملَ أمام عيني مطبقاً قوله تعالى : "وَلَا
تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ" ، فما زال الأمل باقٍ بالتوعية
والسعي لإيصال المعرفة بأن نصل إلى مجتمعٍ واعٍ بكيفية الاستخدام الصحيح لوسائل التواصل
والشبكة المعلوماتية.
اعتدت في
حديثي عن الابتزاز الالكتروني أن أتحدث بلغة القانون التي قد لا تُوصلُ للبعضِ فهماً
أن هذه الجريمة أصبحتْ تهددُ كل فردٍ في أي مكان أو زمان مع استخدامنا اليومي لوسائل
تقنية المعلومات أو الشبكة المعلوماتية ؛ ولكني اليوم سأتحدث بلغة الإنسان الذي له
طاقته في تحمل الألم ، فحقيقةً ما أعايشه بشكل يومي تقريباً أضحى فوق طاقة التحمل
من وقائعٍ وقصصٍ لضحايا الابتزاز الالكتروني التي أصبحت حديث الساعة.
فتارةً تأتيني
من بدأت طريقها للحياة وهي لم تبلغ الخامسة عشر من عمرها لتقول لي أحببته فصدقته
فسلمته ما أراد وبعدها ابتزني ، وأخرى من وصلت لسلمِ النجاح ما وصلت بعد اجتهادٍ في
الدراسة وصراعٍٍ مع ظروف الحياة وكونت بيتها واختارت شريك حياتها ورفعت اسمها واسم
من تنتسب إليه عالياً ؛ ليأتي من يستغل ضعف علاقتها مع شريك حياتها ويبدأ بالعبث
بها في علاقة عابرة فيُمسك عليها ما يمسك من أسرارها ؛ ليجبرها بعد ذلك في
المواصلة معه في طريق محظور ، وآخر يقول لي هل تساعدني فلعلك في حل مواضيع الابتزاز خبير
وعلى مساعدتي قدير ، فأقول له أخوك فقير ولكن قل ما شكواك فالله على كل شيء قدير ،
فيبدأ صوته يتقطع وكلماته إحداها تتقدم والأخرى تتأخر لينهي حديثه موضحاً أنه في
غفلةٍ شيطانيةٍ قَبِلَ صداقةَ شخصيةٍ مجهولةٍ في إحدى وسائل التواصل فانتهى الأمر به بأن
جرده من ثوب حيائه ليلبسه ثوب العار ويبدأ يهدده بصور ومقاطع تهدم حياته وحياة من
هم حوله ، وآخر يحكي لي ألمَ طفله الذي أهمله وترك الهاتف في يده دون توجيه أو
تعليم ، فانتهى به الحال بأن تعرف على من مَدَّ له طريقاً لا يعرفه أهله ليسيرَ وحيداً
فيه ويختلي بطفولته وبراءته وينسف بإنسانيته وكرامته وشرفه.
وقائعُ
الابتزاز الالكتروني كثيرة جداً وأسباب الوقوع فيه مختلفة وأهداف من يبتز متعددة ،
ورغم التوعية التي يقوم بها أفراد المجتمع ومؤسسات التطوع وجهات الاختصاص ما زالت
الضحايا تزيد في حرب مع عدوٍ يكاد هو المنتصر في كثير من تلكم الوقائع ، فأي
ممارسة خاطئة لوسائل التقنية والشبكة المعلوماتية هذه التي تجرنا إلى أن نحفر
قبر أحلامنا وإنسانيتنا وكرامتنا بأيدينا ؛ لتُدفن فيه أحلامنا البريئة وأهدافنا
المشروعة وطموحاتنا المرسومة.
هل ما زلنا
نظن بأن نشر خصوصياتنا في وسائل التواصل يسهم في جذب المتابعين لنا ، أو ما زلنا
نعتقد بأن شريك الحياة لا يكون إلا عن طريق علاقات غرامية مشبوهة قد تكون محفوفة
بمخاطر عديدة ، أو ما زلنا مستمرين في فضح أسرارنا لمن لا يستحق صداقتنا
بدعوى "الفضفضة" ليستخدمها ضدنا غداً ، لا أريد أن أكون سلبياً أو أن
أشكك في علاقاتنا ببعضنا أو أن أبالغ في طرحي في مقالي ، ولكن وسائل التواصل
بمسمياتها وتنوعها والشبكة المعلوماتية باتساعها وانتشارها يجب أن لا تُستخدم
كأداة قتل لكرامتنا أو أداة هدم لأخلاقنا ؛ بل علينا أن نستخدمها بحذر ووعي ؛
تاركين بصمة الخير لأنفسنا ولمن هم حولنا ولوطننا.
أخي/ أختي ..
القانونُ الذي يجرم هذه الجريمةَ موجودٌ والجهات المختصة التي تستقبل شكواك بخصوصها
في وطننا العزيز موجودة ؛ ولكن إن كان وعيك غير موجود وفعلك وقولك غير محمود فلا
تظن بأنك بمعزلٍ عن عالم قد يتربص فيه لك عدوٌ أو حاقدٌ أو حاسدٌ وقد تكون أنت
الضحية القادمة فاحذر.
فِراس بن
يونس النقبي
Feras_y_7@
صدر في السابع من مايو سنة 2005م المرسوم السلطاني رقم (42) بالموافقة على انضمام السلطنة إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وهي الاتفاقية التي تعتبر أهم وثيقة دولية لحقوق النساء على مستوى العالم، ويطلق عليها أيضا اتفاقية (سيداو) أو (CEDAW ) اختصارا للأحرف الأولى من اسم الاتفاقية باللغة الإنجليزية( Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination against Women ) ، لتصبح بموجب المادة (76) من النظام الاساسي للدولة بقوة القانون.
وتعد هذه الاتفاقية أيضا واحدة من أهم معاهدات حقوق الإنسان، والثانية بعد الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل من حيث عدد الدول الأطراف، إذ بلغ عدد الدول التي صادقت أو انضمت إليها حتى الآن 189 دولة، والتي ليس من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك دول كالسودان والصومال وإيران، في ظل انضمام معظم الدول العربية والإسلامية لها ، مع تشابه يقترب من التطابق في بعض المواد التي تتعلق بجوانب تمس الشريعة الإسلامية.
وتتكون هذه الاتفاقية من (30) مادة - تسبقها ديباجة رصينة بأسباب ودوافع وضع هذه الاتفاقية الدولية - تعالج في موادها الستة عشر الأولى المواضيع التالية تباعا : تعريف التمييز، الالتزامات الخاصة بالقضاء على التمييز، تطور المرأة وتقدمها، التدابير الخاصة للتعجيل بالمساواة، الأنماط الاجتماعية والثقافية، مكافحة جميع أشكال الاتجار بالمرأة واستغلالها، المساواة في الحياة السياسية والعامة، التمثيل الدولي، الجنسية، التعليم، العمل، الصحة، المنافع الاقتصادية والاجتماعية، المرأة الريفية، المساواة أمام القانون والشؤون المدنية، المساواة في الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات الأسرية. كما تنظم موادها الأربعة عشر اللاحقة ما يتعلق بالجوانب الاجرائية المتصلة بالانضمام لهذه الاتفاقية.
وقد أورد المرسوم السلطاني المشار إليه أعلاه، عددا من التحفظات على مواد الاتفاقية وعددها خمسة، وهي على النحو التالي : جميع أحكام الاتفاقية التي لا تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية والتشريعات المعمول بها في السلطنة، الفقرة (2) من المادة (9) والتي تنص على أن تمنح الدول الأطراف المرأة حقا مساويا لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالها، الفقرة (4) من المادة (15) والمتعلقة بحركة الاشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم، المادة (16) في البنود (أ، ج، و) وخاصةً التبني، علاوة على عدم التزام السلطنة بالفقرة (أ) من المادة (29) والخاصة بالتحكيم وإحالة النزاعات لمحكمة العدل الدولية في حالة عدم التسوية بالمفاوضات.
ولأن هذه الأسطر السريعة لا تتسع للكثير من التحليل حول المواد والتحفظات التي وردت بالمرسوم، إلا أنه يمكن اختصار ذلك بأن التحفظ الأول جاء لأن الشريعة الإسلامية هي أساس التشريع بالدولة، وهو مبدأ دستوري يجب إعماله في مختلف القوانين والاتفاقيات الدولية بموجب المادة الثانية من النظام الاساسي للدولة، أما فيما يتعلق بالتحفظ الثاني بشأن منح المرأة العمانية الجنسية لأطفالها، فذلك لمنع ازدواج الجنسية، إذ أن القانون أخذ بمبدأ حصول الطفل على جنسية أبيه، مع مراعاته لمبدأ عدم انعدام الجنسية وإتاحته لحصول ابن المرأة العمانية على الجنسية في عدد من الحالات الواردة بالقانون، وفيما يتعلق بالتحفظ الثالث فيمكن القول اختصارا بأنه في طريقه للرفع بموجب قرار مجلس الوزراء الموقر مثلما تم الاشارة لذلك في التقرير الثاني والثالث لمتابعة تنفيذ الاتفاقية، وذلك بعد استكمال الإجراءات التي حددها النظام الأساسي للدولة. أما التحفظ الرابع فهو لمساسه بجوانب متعلقة بالشريعة الاسلامية كالتبي والقوامة وتساوي الحق في عقد الزواج، والحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه، وفيما يتعلق بالتحفظ الاخير، ولمساسه بمبدأ السيادة، فقد أعلنت السلطنة عدم إلتزامها بما جاء فيه.
وبالرغم أن معظم الجوانب التي تطرقت لها الاتفاقية قد سبق وأن نظمتها التشريعات العمانية وأوردت لها الكثير من الحماية سواء بالنظام الأساسي للدولة الذي حظر التمييز وأرسى مبدأ المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، أو عبر التشريعات الوطنية المختلفة، إلا ان ذلك لم يمنع من تعديل بعض التشريعات الوطنية والاجراءات المتبعة، كالذي تم مثلا بمنح أراض للمرأة مثلما تمنح للرجل، وكذلك تعديل القيد الوارد في قانون جواز السفر العماني، والذي كان يشترط سابقا حصول المرأة على موافقة الزوج أو ولي الأمر لاستخراج جواز سفر، بالإضافة للمرسوم السلطاني رقم (55/2010) والذي نقل اختصاص النظر في دعاوى العضل للمحكمة العليا دون غيرها.
وحيث أن المادة (18) من الاتفاقية تلزم الدولة الطرف بتقديم تقريرا عما تم اتخاذه من تدابير لإنفاذ هذه الاتفاقية والتقدم المحرز في هذا الصدد، فقد ناقشت السلطنة تقريرها الأولي في أكتوبر 2011، كما أعدت تقريرها الثاني والثالث لمتابعة تنفيذ الاتفاقية في يناير 2016، وتستعد بعد أيام قليلة من الآن لمناقشة هذا التقرير أمام اللجنة الدولية المعينة بمتابعة تنفيذ الاتفاقية في 3 نوفمبر 2017 في جنيف. مع صادق الدعوات بالتوفيق، ودوام التقدم للمرأة العمانية.
فـهـد بن يوسـف الأغـبري
القانونُ هو ذاك العلم الذي ينظم دقات القلب نحو ما يجعلها تنبض بما يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة وفقاً لأحكامه ونصوصه فعندما يستشعر القلب أهمية تطبيقه يُصدر أوامره لباقي أعضاء الجسد للعمل بما نص عليه دون أي تجاوز أو تعدٍ ، فنرى الحياة أجمل والوطن أفضل فلا استثناء لفرد على آخر ولا تمييز لقبيلة على أخرى ولا احتكار لحقوق لأحدهم دون الآخر إلا وفق مقتضى ذلك القانون وبما يحكم من نظام يسهم في بناء الأوطان ويجعلها مزدهرةً ومرتقيةً ليعيش أهلها فيها بعزة وكرامة وفق واجبات محددة وحقوق موضحة ليعي كل فرد ما له وما عليه فيلتزم بواجباته ويحرص على تنفيذها ويعي حقوقه ويجتهد في جلبها ويدرأ أي تعدٍ قد تتعرض له من قبل الأفراد والمؤسسات.
القانون ليس ذلك السيف الذي يقطع رؤوس الفقراء وليس تلك الآلة التي تتعدى على حقوق الأغنياء ؛ بل هو النظام الذي يحدد الطريق الذي يتوجب أن يتم سلكه ، هو المنطق الذي يجب ألا يتعارض مع المنطق نفسه ، هو الوسيلة التي نستخدمها لتحقيق الغاية فليس هو الغاية المقصودة التحقيق ؛ بل هو الطريق المشروع الذي يوصلنا للغايات المشروعة.
إن القوانين التي تصدر بعيدة كل البعد عن الواقع الذي تعيشه الدولة وما تحمل من عادات وتقاليد يصعب تطبيقها واقعاً ولا تجد قبولاً في مجتمع تلك الدول ولهذا يراعى عند التشريع الأخد بمعايير كثيرة منها الدين وطبيعة الحياة فيها وما تعيشه من ظروف و ما كسبته من موروث وعادات وتقاليد وآداب وأخلاق حميدة.
الأصل في القوانين أنها لم تشرع لفرد بعينه ولا لمذهب بعينه ولا لقبيلة بعينها ، ولم تشرع لتُخترق وتُحتقر ويُضرب بها عرض الحائط ، ولم تُشرع من أجل ألا تطبق ، ولم تشرع من أجل مصلحة شخصية أو نزوة شيطانية أو فكرة خبيثة أرادها من أرادها ، بل هي نظام حياة نرسمه من أجل حاضر مشرق وغدٍ أفضل يسهم في بناء الدولة ؛ لتصبح كتلك الحضارات العريقة التي يسجلها التاريخ بأنها تركت بصمة في إعمار البسيطة والمحافظة على القيم الإنسانية النبيلة.
يقول مولانا المعظم السلطان قابوس -حفظه الله ورعاه- :《لقد وضعت قوانين لهذه الدولة بموجب مراسيم سلطانية صدرت بشأنها وتصدر من حين لآخر ؛ وذلك للمحافظة على مصالح الشعب ، فعليكم أن تدرسوا هذه القوانين ، كلٌّ في مجال اختصاصه دراسة وافية ، وألا تتجاوزوا في المعاملات أيَّ نصٍّ لتلك القوانينِ ، بل يجبُ التقيدُ بها واتباعُ ما جاء في نصوصها》.
فِراس بن يونس بن راشد النقبي
مشرف عـــام شبكة روح القانون
فِراس بن يونس بن راشد النقبي
مشرف عـــام شبكة روح القانون



